منازل النور

 منازل النور

 إن من سُنَن الله عز وجل  في الكون أن لا شيء فيه يستطيع أن يؤدي مهمته وحده، بل خَلَقَه الله محتاجًا للاتصال بغيره مِن نوعه، ليَكْمُلَ به ويُكَمِّلَه، قال تعالى: }وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{[1]، وإذا كان الفرد هو اللبِنة الأساسية للأُمَّة، فإنَّ البيت المسلم -الأسرة الصالحة- هو الخلية الأولى للمجتمع الصالح، وهذه الخلية لا تتكون إلا من زواج.

هذا وقد أودع الله عز وجل  في كل مِنَ الرجل والمرأة حاجة كل منهما للآخر، فلا يَسْتَقِرَّا حتى يَسْكُنَا إلى بعضهما البعض، قال تعالى: }وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ{[2].

الأنبياء يُقيمون البيت المسلم:

قَبِلَ موسى عليه السلام عرض والد الفتاتين[3] بالزواج مِن إحداهما، وفي هذه المبادرة إشارة لأهمية الإسراع في إقامة البيت، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد سارع إلى البناء بزوجه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في السنة الأولى مِن الهجرة، ثم بادر في السنة الثانية بتزويج ابنته فاطمة -رضي الله عنها- مِن علي بن  أبي طالب رضي الله عنه، فعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ قَالَتَا: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُجَهِّزَ فَاطِمَةَ حَتَّى نُدْخِلَهَا عَلَى عَلِيٍّ، فَعَمَدْنَا إِلَى الْبَيْتِ فَفَرَشْنَاهُ تُرَابًا لَيِّنًا مِنْ أَعْرَاضِ الْبَطْحَاءِ[5]، ثُمَّ حَشَوْنَا مِرْفَقَتَيْنِ[6] لِيفًا، فَنَفَشْنَاهُ بِأَيْدِينَا، ثُمَّ أَطْعَمْنَا تَمْرًا وَزَبِيبًا، وَسَقَيْنَا مَاءً عَذْبًا، وَعَمَدْنَا إِلَى عُودٍ فَعَرَضْنَاهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ لِيُلْقَى عَلَيْهِ الثَّوْبُ وَيُعَلَّقَ عَلَيْهِ السِّقَاءُ[7]، فَمَا رَأَيْنَا عُرْسًا أَحْسَنَ مِنْ عُرْسِ فَاطِمَةَ. [رواه ابن ماجة، الحديث 1901].

حُسْن اختيار الزوج:

الواجب على الفرد المسلم أن يقيم الأسرة المسلمة القدوة التي تتمثل الإسلام في كل صغيرة وكبيرة؛ فتتحرى الحلال، وتتجنب الحرام وما فيه شبهة، فعلى المسلم حين تتهيأ له أسباب النكاح أن يُحسِن اختيار شريكة حياته، وأن يلتزم بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقد قَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ[8])) [رواه البخاري، الحديث 4700].

وكذلك الواجب على أهل العَروس[9] أن يلتزموا توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) [رواه الترمذي، الحديث 1004].

منازل النور:

والبيوت المسلمة هي منازل للنور؛ لأنها منازل يُذكَر فيها اسم الله عز وجل، وسأل قوم عمر رضي الله عن صلاة الرجل في بيته، فقَالَ رضي الله عنه: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ((أَمَّا صَلاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ فَنُورٌ، فَنَوِّرُوا بُيُوتَكُمْ)) [رواه ابن ماجة، من الحديث 1365]. وروى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا)). [رواه البخاري، الحديث 414].

والبيوت المسلمة هي منازل للنور، إذ تنطلق منها أجيال جديدة تواصل حمل نور الوحي لهداية البشر، قال تعالى: }وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{[11].

فالبيت المسلم  يُنَشِّئُ الذرية تنشئة إسلامية صالحة قوية، تواصل المسيرة على الطريق، وترث الأمانة من الآباء لتُوَرِّثها إلى الأجيال التالية بنفس الأصالة والقوة، ذرية تربَّت على اتباع هَدْي الرسول صلى الله عليه وسلم، في أعمال اليوم والليلة، في مواعيد النوم والاستيقاظ، وفي معاملة الخدم والعلاقة مع الجار، وفي حدود العلاقة مع المحارم وغيرهم من الأقرباء، ذرية تربَّت على بر الآباء والأمهات.

في هذا المناخ الإسلامي النظيف تنشأ الذرية الصالحة، فتكون بحق قرة أعين للوالدين، وذخرًا للأمة الإسلامية.

إقامة البيت المسلم واجبة:

قال عَبْدُ اللهِ بن عُمَرَ -رضي الله عنهما-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) قَال ابن عمر: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: ((وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))  [رواه البخاري، الحديث 844].

ورعاية الأهل والبيت تقتضي الأخذ بأسباب الوقاية مِنَ النار، قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ{[13]، وسبيل ذلك أن يهتم كل مِنَّا بتكوين بيت مسلم، وبأن يحمل أهله على احترام فكرته، والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر حياته المنـزلية، وذلك بعد حسن اختيار الزوجة، وتوقيفها على حقها وواجبها، وحسن تربية الأولاد والخدم وتنشئتهم على مبادئ الإسلام.

خطوة عملية:

هذه هي البيوت الإسلامية، وهذه هي منازل النور، المنازل التي ينـزل النور عليها، والبيوت التي يسكن نور الوحي فيها ويَشُعُّ منها، والإسهام العملي في تحقيق ذلك قد يكون بتدقيق الرجل وتدقيق المرأة عند اختيار الزوج، فيُختار على أساس حُسْن الالتزام بالإسلام، وقد يكون بتشجيع المقبلين على الزواج مِن معارفنا على التقيد بهذا الميزان، وقد يكون بنشر المعاني التي عايشناها توًّا بين الأصدقاء والزملاء أو الأقارب والجيران.

فأي هذه المساعي العملية سنفعل طلبًا للثواب؟

[1]– الآية 49 من سورة الذاريات.

[2]– الآية 21 من سورة الروم.

[3]– قيل: إنه نبي الله شعيب، وقيل: هو يثرون ابن أخيه، وقيل: رجل صالح.

[5]– البطحاء: الأرض الخالية من العمران.

[6]– مرفقتين: وسادتين.

[7]– السقاء: الوعاء الذي يوضع فيه الشراب.

[8]– تربت يداك: التصقت بالتراب، كناية عن الفقر، والمقصود: افعل ذلك وإلا افتقرت.

[9]– العَروس: نعت للرجل أو المرأَة، وهو اسم لهما عند دخول أَحدهما بالآخر، يقال: رجل عَرُوس، والجمع: أَعْراس وعُرُس، وامرأَة عَرُوس، والجمع: عَرائِس. [لسان العرب لابن منظور، باختصار].

[11]– الآية 52 من سورة الشورى.

[13]– الآية 6 من سورة التحريم.

شاهد أيضاً

أربعة عشر وسيلة تربوية للآباء المشغولين

أربعة عشر وسيلة تربوية للآباء المشغولين في ظل الضغوط الحياتية التي لا تنتهي أبدًا يعجز …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *